ابن يعقوب المغربي

488

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

الإخبار مجازا ، فإذا قيل افعل هذا كيف شئت فمعناه افعله على الحالة التي لو قيل كيف شئت أي : أي حال شئت لأجبت بها ، ومثلها أنى في هذا القصد ، وقيل إنها شرطية ، فالمعنى إن شئتم فأتوا ، وحذف الجواب لدلالة فأتوا عليه ، فهو بمعنى كيف الشرطية ، واختلف هل الفعل بعدها في موضع جزم أو لا ككيف إذ ليست جازمة . ( وأخرى ) أي : واستعمالها مرة أخرى أن تكون ( بمعنى من أين ) فتتضمن الظرفية ، والابتدائية ، وذلك ( نحو ) قوله تعالى - حكاية عن زكريا - يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا " 1 " أي من أين لك هذا الرزق الآتي كل يوم ، وكان يجد عندها فاكهة وقت في غير أيامها ، وقد تكون بمعنى أين فقط ، فتتضمن الظرفية دون الابتدائية كقوله : من أين عشرون لنا من أنى " 2 " أي : من أين عشرون لنا ؟ وهو تأكيد لما قبله ، فلم تتضمن معنى من للتصريح بها ، فتقرر بهذا أن أنى التي ليست بمعنى كيف تكون بمعنى من أين ، كما في الآية ، وبمعنى أين فقط كما في البيت ، ويحتمل أن تكون بمعنى أين فقط دائما ، إلا أنها تارة يصرح بمن معها كما في البيت ، وتارة تقدر كما في الآية على ما ذكره بعض النحاة . ( ثم إن هذه الكلمات ) الاستفهامية ( كثيرا ما تستعمل ) أي : تستعمل كثيرا ( في ) مواضع أخرى ( غير الاستفهام ) الذي هو أصلها ، فتكون في ذلك الغير مجازا لمناسبة بمعونة قرينة دالة في المقام ، وذلك ( كالاستبطاء نحو ) قولك المخاطب دعوته ، فأبطأ في الجواب : ( كم دعوتك ) فليس المراد استفهامه عن عدد الدعوة لجهله بها ، ولا يتعلق بها غرض فقرينة الإبطاء واستثقاله مع عدم تعلق الغرض بالاستفهام ومع جهل المخاطب بالعدد دالة على قصد الاستبطاء ، والعلاقة أن السؤال عن عدد الدعوة الذي هو مدلول اللفظ يستلزم الجهل بذلك العدد ، والجهل يستلزم كثرته عادة ، أو ادعاء ، وأنه لا يحصره الإدراك من أول وهلة ، وكثرته تستلزم بعد زمن الإجابة عن زمن السؤال ، والبعد يستلزم الاستبطاء ، فهو كالمجاز المرسل لعلاقة اللزوم من استعمال الدال على الملزوم في اللازم ،

--> ( 1 ) آل عمران : 37 . ( 2 ) الرجز لمدرك بن حصين في خزانة الأدب 7 / 83 ، وبلا نسبة في نوادر أبي زيد ص 50 .